كعادتي، كنت حاضرا في جلسات محاكمة الناشط والباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، باتريك زكي، أمام محكمة الجنح طوارئ أمن دولة على مدار أكثر من عام ونصف. مع كل ثلاثة شهور، أتوجه إلى المنصورة، لحضور الجلسات. أصبحت أعرف طريق “القاهرة/ المنصورة” عن ظهر قلب مثلما أحفظ الطريق إلى بلدتي. كل موعد محاكمة، أصل صباحا، نلقي السلام على باتريك، قبل أن ينزوي هو بداخل المحكمة برفقة محاميه وبعض أفراد أسرته، ونترك نحن الصحفيين أمام الجلسة. تغير الوضع خلال الجلستين الأخيرتين، سمحوا لنا بدخول المحكمة والانتظار أمام صالة المحاكمة. ظننا أن هذا التغير سيعني انفراجة قريبة، هكذا كان الظن.
مع طول مدة المحاكمة، أصبحت أشعر بالممل من هذه الزيارات المتكررة للمنصورة. عائلة باتريك نفسها شعرت بالممل. قالت لي إحدى قريباته الحاضرات خلال الانتظار أمام صالة المحاكمة، أمس، الثلاثاء، “لقد مللنا من الطريق، أكثر من أي شيء”. لم تكن تعلم أن اليوم سينتهي بكابوس.
بدا اليوم عاديا مثل الأيام السابقة. سمحوا لنا بالدخول للمحكمة. انتظرنا مع أسرته أمام الصالة. ألقيت نظرة من الباب الذي يفتح بين حين وآخر، ولوحت لباتريك بالسلام وكذلك فريق محاميه، بادلني بابتسامة قلقة هذه المرة. لقد اقترب أخذ القرار. الجلسة الماضية، كان فريق دفاعه قد سلم ملف دفاعه، ولم يعد في يديه شيء. قال صامويل ثروت، أحد محاميه خلال خروجه للتدخين خارج الصالة في بداية اليوم: ننتظر أن ينطق القاضي بالحكم أو يحدد موعد له. سألته، وما المرجح: تحديد موعد مستقبلي للحكم.
أمام صالة المحاكمة، استطاعت سيدة وحيدة جذب جميع الأنظار: والدة باتريك. التصقت السيدة هالة بالباب، في حالة قلق. ربما كان لديها شعور داخلي بأن اليوم لن يكون عاديا وأنه لن ينتهي كما تتمنى. أصبحت هي بطلة المشهد. الكل يركز أنظاره عليها. تصارعت ملامحها بالقلق، مع انتشار عدد كبير غير معتاد من الضباط ورجال الشرطة في الطابق الذي تجرى فيه المحاكمة. أنتابتها قبضة انعكست على وجهها، حينما رأت مسجون آخر يحاكم (في قضية أخرى) ويخرج بالأصفاد. ألقت الأم برأسها على الحائط، وظلت واقفة أمام المدخل لا تفارقه. بدت شفتيها تتحرك وكأنها تتلو صلوات ودعوات دون توقف.
كانت الساعة الحادية عشر وربع حينما انطلقت المحاكمة. انتظرت مع الأسرة وفريق من الدبلوماسيين والصحفيين الأجانب. تعودنا ان ندون كل وقت يحدث وكل تفصيلة. بعد نصف ساعة، خرج المحامي الثاني، حازم صلاح وأخبر الأم بأنهم طالبوا المحكمة في كلمتهم بتحديد موعد للمحاكمة أو النطق بالحكم. أخبرت الأم، حازم: مش مرتاحة. رد: خير ان شاء الله.
مر الوقت ببطء. شعرت بالتعب من مراقبة المشهد وتدوين كل تفصيلة، فكرت في الجلوس. نظرت إلى والدة باتريك، قلقها يتصاعد مع مرور الوقت. ذهبت إليها، وطلبت منها أن تجلس قليلا ولا تقلق. ردت مقتضبة: لن أستطيع. على ملامحها، كان يبدو مدى انشغالها وعدم انتباهها لما يحدث حولها. عينيها فقط مثبتة على الباب في انتظار أي فتح يسمح لها باستراق النظرات على أبنها.

تحدثت مع أفراد أسرته عن رحلة القضية وأمنياتهم أن ينتهي اليوم والجلسة للأبد ويعودون إلى المنزل في القاهرة. طلبت من أحدى قريباته أن تتدخل وتقنع والدته بالجلوس، قالت لي: لا تحاول، لن تبرح مكانها”.
مرت ساعتين على هذا الوضع. بدأت أتسائل، لما كل هذا الوقت. المحامون تحدثوا فقط لخمس دقائق أمام القاضي، وحتى الآن لم يتم اتخاذ قرار. خرج المحامي صامويل للتدخين مرة أخرى وأخبرني أنه من المرجح أن يتم الحكم اليوم، ما دام القاضي يمضي وقت طويل في المداولة. بدت ملامح القلق على المحامي نفسه، ولكنه حاول كالعادة طمأنة الأم.
تكرر المشهد بمرور سجين آخر مقيد بالأصفاد، تحركت نظرات الأم باتجاهه، بينما بدأت الدموع تظهر على عينها. تزايد وجود ضباط الشرطة في المكان، كانوا يسارعون بغلق أبواب الصالة بمجرد الدخول والخروج. هذا يوم لن يكون عاديا.
حوكم باتريك على مقال نشره في موقع درج في يوليو 2019، تحت عنوان “تهجير وقتل وتضييق، حصيلة أسبوع في يوميات أقباط مصر”. اتهمه محضر الشرطة بأنه نشر أخبار كاذبة. اعتقل خلال عودته من الدراسة في إيطاليا، في بداية فبراير 2020، وقضى 22 شهرا في السجن بدون محاكمة، قبل إطلاق سراحه المشروط على ذمة القضية.

على مدار ما يقرب من عامين، جاهد فريق الدفاع في تقديم أدلة تؤكد أنها ليست أخبار كاذبة وأن غالبية الحوادث المذكورة في المقال منتشر بالفعل في مواقع إخبارية. حتى قضية رفض قرية إطلاق اسم مجند مسيحي سقط في هجوم إرهابي، والذي ذكره باتريك في مقاله، أثبته بالفيديو عبر شقيق المجند الذي تحدث عن الأزمة.
أعرف باتريك من مقابلاتنا القليلة والقصيرة قبل وبعد جلسات المحاكمة، وإلى أي مدى وطنيته. وإلى أي مدى توازنه ووداعته وخفته. أمن باتريك خلال الفترة الماضية بالانفتاح الجزئي الذي شهده المناخ السياسي في مصر. ظن، وقالها لي ذات مرة، “أتمنى إن هذا المناخ سوف يمر علي وأحصل على حريتي الكاملة وأتمكن من السفر لاستكمال الدراسة والعودة بحرية إلى مصر”.
خلال جلوسي الطويل في الانتظار، تخيلت ما الذي يدور في رأسه، فهو أكثر القلقين بهذا الانتظار الطويل. لقد حصل مؤخرا على درجة الماجستير الذي كان يطمح لها. أجبر على مناقشة رسالته عن بعد، بعد رفض المحكمة طلباته المتكررة بالسماح له بالسفر. ربما تضاءلت أماله مع مرور وقت الانتظار الطويل داخل صالة المحكمة: من التمكن من السفر إلى الخارج بعد الجلسة لاستكمال دراسته، إلى الرغبة في العودة للمنزل سالما مع أسرته.
قاربت الساعة على الثانية ظهرا، بدون أي تغيير. تعب الحاضرون من الكلام أو لم يعد لديهم ما يحكونه، حاول الجميع البحث عن مياه الشرب ومكان للجلوس بين الأماكن القليلة، إلا شخص واحد ظل ملتصقا بالباب، والدة باتريك. أما أسرته، فقد شعرت بالقلق، قالت أحدهن: “لست مطمئنة”.
استمر الوضع، جلست جانبا على السلم، مع المنتظرين. لم يعد هناك كلام، تخطت الساعة الثالثة. لقد وقفت الأم لأكثر من ٤ ساعات دون أن تجلس أو تتحرك من مكانها لثانية. الكل بدأ ينظر على ساعته وينتظر المستجدات. بعد ربع ساعة تقريبا، خرج المحامي حازم صلاح وقالها: ٣ سنين سجن مع الشغل.
فجأة، تحول الممر إلى صويت، انهارت الأم على الأرض وبدأت تصرخ، “ابني، أخذوه مني”، كررتها عديد المرات. لاحظت خطيبته اقتياد باتريك عبر النافذة في الممر المواجه، وعدم المرور به من أمام الصالة. صرخت، “هم واخدينه فين؟”. لم يسمحوا له حتى بتوديع والدته أو السلام عليها.
كان الوضع فوضويا. لم يفهم حتى المحامون ما حدث. لم يجلس القاضي كما هو معتاد ليتلوا الحكم وأسباب اتخاذه. فقط أرسل سكرتيره لإخبار المحامين بالسجن ٣ سنوات مع الشغل. في الوقت الذي تحرك رجال الشرطة لأخذ باتريك بالأصفاد والمرور به من الجانب الآخر. جرت الأسرة للبحث عن سيارة للتحرك إلى المكان الذي تم اقتياده فيه.
قال أحد المحامين لي: “لا نعرف لماذا اعتقلوه في وقت الجلسة، هل لتنفيذ الحكم أم لقرار بالتحفظ به لحين صدور قرار الحاكم العسكري بتأكيد العقوبة”. لقد قضى باتريك ٢٢ شهرا كمسجون احتياطيا، وفي حالة التصديق على الحكم، سيمضي عام وشهران.
وأنا مثل أسرته، لم أتمكن من الحديث معه مثلما كان معتاد عقب كل جلسة والتقاط صور له. عدت طريقي للقاهرة، لم تفارقني صورة والدته أمام باب صالة المحكمة.


